الشيخ محمد رشيد رضا
658
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وغيره ، فالمعنى قد جاءكم في هذه الآيات الجلية ، بصائر من الحجج العقلية والكونية ، تثبت لكم عقائد الحق اليقينية ، التي يتوقف عليها نيل السعادة الأبدية ، جاءكم ذلك من ربكم الذي خلقكم وسواكم ، وربى أجسادكم ومشاعركم وسائر قواكم : ليربى بها أرواحكم ، بأحسن مما ربى به أشباحكم فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ أي فمن أبصر بها الحق والهدى ، فآمن وعمل صالحا ثم اهتدى ، فلنفسه أبصر ، ولسعادتها ما قدم من الخير وأخر ، وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها أي ومن عمي عن الحق باعراضه عنها ، وعدم النظر والاستبصار بها فأصر على ضلاله ، ثباتا على عناده ، أو تقليد آبائه وأجداده ، فعليها جنى ، وإياها أردى ، ولعمى البصائر شر من عمى الابصار ، وأسوأ عاقبة في هذه الدار وفي تلك الدار ، وهذا كقوله تعالى ( مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها ) * وقوله ( لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ ) وقوله ( إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها ) . وقوله هنا « فَلَها » بمعنى فعليها ، ونكتته المشاكلة أو الازدواج وقيل غير ذلك وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ يراقب أعمالكم ويحصيها عليكم ويحفظها ليجازيكم عليها ، وانما أنا بشير ونذير ، واللّه هو الرقيب الحفيظ ، فهو يعلم ما تسرون وما تعلنون ، ويجزيكم عليه بما تستحقون ، فعليه وحده الحساب ، وما علي الا البلاغ ، * * * وَكَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ أي ومثل ذلك التصريف والتفنن العلي الشأن ، البعيد الشأو في فنون المعاني وأفنان البيان ، الذي تراه في هذه السورة أو هذا السياق ، نصرف الآيات في سائر القرآن ، لاثبات أصول الايمان ، والهداية لا حاسن الآداب والاعمال ، فنحولها من نوع إلى نوع ومن حال إلى حال ، مراعاة لتفاوت العقول والافهام ، ولاختلاف استعداد الافراد والأقوام ، وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ المعنى العام للدرس تكرار المعالجة وتتابع الفعل على الشيء حتى يذهب به أو يصل إلى الغاية منه ، يقال درس الشيء كرسم الدار وآثارها يدرس ( من باب قعد ) إذا عفا وزال بفعل الريح ، وتتابع المشي عليه وغير ذلك من الأسباب فهو دارس ، ودرسته الريح أو غيرها ، ودرس اللايس الثوب درسا أخلقه وأبلاه فهو دريس ، ودرسوا الطعام أي القمح . داسوه ليتكسر فيفرق بين حبه وتبنه ، ودرس الناقة درسا راضها . ودرس الكتاب والعلم يدرسه درسا ودراسة ،